الشيخ محمد هادي معرفة
37
تلخيص التمهيد
الأحلام ووفارة العقول والألباب ، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع والشعراء المفلّقون « 1 » ، وقد وصفهم اللَّه تعالى في كتابه بالجدل واللدد ، فقال سبحانه : « ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ » « 2 » . وقال سبحانه : « تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا » « 3 » ، فكيف كان يجوز - على قول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة - أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه « 4 » ، لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه . قال : وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبيَنُها دلالةً وأيسرها مؤونةً ، وهو مقنع لمن تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الإعجاز فيه « 5 » . 2 - اختيار ابن عطيّة ولأبي محمّد عبد الحقّ بن غالب المحاربي الغرناطي - الفقيه المفسّر ( ت 542 ) اختيار يشبه اختيار أبي سليمان البُستي ، ولعلّه اختزال منه ، ذكره في مقدّمة تفسيره « المحرّر » ونقله الإمام بدر الدين الزركشي ، مع تصرّف واختصار . قال ابن عطيّة : إنّ الذي عليه الجمهور والحذّاق - وهو الصحيح في نفسه - أنّ التحدّي إنّما وقع بنظمه ، وصحّة معانيه ، وتوالي فصاحة ألفاظه . ووجه إعجازه أنّ اللَّه قد أحاط بكلّ شيء علماً ، وأحاط بالكلام كلّه علماً ، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم - بإحاطته - أيّ لفظة تصلح أن تلي الأُولى ، ويتبيّن المعنى دون المعنى ، ثمّ كذلك من أوّل القرآن إلى آخره . والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلومٌ ضرورةً أنّ بشراً لم يكن قطّ محيطاً ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، وبهذا النظر يبطل قول من قال : إنّ العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله ، فلمّا جاءهم محمّد صلى الله عليه وآله صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه !
--> ( 1 ) . المصقع : البليغ . وشاعر مفلّق - بزنة اسم الفاعل - مبدع . ( 2 ) . الزخرف : 58 . ( 3 ) . مريم : 97 . ( 4 ) . اهتبال الفرصة : اغتنامها . ( 5 ) . أي وهذا أيسر الوجوه لمن أراد الاقتناع النفسي ولو تقليداً وليس تحقيقاً .